• Accueil
  • > Non classé
  • > الخطـــاب الحجــــاجـــي والاقــــناعــــي

الخطـــاب الحجــــاجـــي والاقــــناعــــي

Posté par ennajimed le 9 février 2009

image2nadwa1.png     تعد نظرية التواصل، واحدة من أهم إضافات الفكر العالمي المعاصر التي ارتبطت بالفيلسوف الاجتماعي يورغن هابرماس، الذي جعلها تتعلق بالمباحث الفلسفية العملية: آليات الحوار والمناقشة والمحادثة والمساجلة والمناظرة، اي كل ما من شأنه فهم سلّم العلاقات المتدرجة التي تربط الأنا بالآخر،وهو الأمر الذي يُِدخل الخطاب بالمعنى التداولي، والحجاج، والاقناع كركيزة أساس في هذه النظرية، فلا يمكن حسب هابرماس حصول التفاهم والاجماع مالم يقف طرفي التواصل (الفاعلين في العملية التواصلية) على أرضية تشجب الحقيقة الواحدة ( أو الزعم بامتلاكها من دون الآخرين) وتدعو إلى حوار عقلاني يمتلك فيه الإنسان الرؤيا والشجاعة اللازمتين لامتحان آرائه مع الناس؛ إننا بحاجة إلى أرضية مؤثثة بالخطاب الحجاجي والاقناعي الذي يجعله هابرماس ضمن أخلاقيات تواصلية أخرى شرطا أساسيا لحصول التفاهم والاجماع.   وبغية القاء بعض الضوء على هذا الخطاب نقترح هذا العرض المبسط، ساعين الى تسييج مفاهيمي له، أردفناه بكلمة عن أخلاقيات التواصل الهابرماسي.      وقبل أن نفارق هذه « العتبة » نتوجه بأصفى الود والإمتنان، إلى من دفع بنا إلى هذا التجوال الفكري الممتع.. الاستاذ الدكتور مصطفـى حنفــي.      

مفهــوم الخطــاب:           يتحدث سوسير عن الخطاب، بإعتباره  » مرادفا لمفهوم الكلام، حيث يحيـــل إلى كيفية يشغل بها المتكلم اللسان داخل سياق تواصلي ما » [1]، وإذا كان هذا القول يشكل متوالية من الجمل المحددة بداية ونهاية، فإن الخطاب هو قول منظور إليه من وجهته التواصلية الخطابية التي تحدده. وعليه فإذا نظرنا إلى نص ما من وجهة بنية لسانية يمثل قولا، وأما إذا نظرنا إلى شروط إنتاجه ووظيفته فهو خطاب. من هنا نلاحظ وجهين للخطاب أولهما، تصور الخطاب من حيث البنية، والآخر من حيث شروط الإنتاج.      ويذهب بول ريكور إلى أن الخطاب، يمثل سلسلة قديمـة قطعا لمباعدة  تعد شرط إمكانية كل خطاب، وسمة المباعدة القديمة هذه، يمكن أن تجد توضيحها في جدل الحدث والدلالة؛ أي أن الخطاب لا يتحـــقق إلا بوجود الحدث والمعنى، وهكذا يمكن القول إن كل خطاب ينجز حدث فهو بمـثابة دلالة[2].           وعموما فقد تعددت التعاريف بهذا الشأن فمنها ما أشارت إلى مفهوم الخطاب في معناه الضيق، الذي لا يتجاوز حدود النص، ومنها ما ألمعت إلى الخطاب بكونه مقوما من مقومات التواصل بين الأفراد، وسعيا منا إلى نوع من الدقة والتركيز، سنتوقف عند تعريفي كل من هاريس وبنفنست نظرا، لأنهما قد شكلا مرجعا نظريا رئيسا للعديد من الدراسات اللسانية والسيمائية والتداولية. 

 ـ تعريف هاريس للخطاب:      يرى هاريس أن الخطاب « كل قول يتجاوز إطار الجملة، منظورا إليه من جهة القواعد الرابطة بين متواليات الجمل… »[3]ويضيف، أن الخطاب يندرج في إطار منهج بنيوي توزيعي أرسى دعائمه الأولى بلومفيلد (Bloomfield.l) مؤسس المدرسة التوزيعية الأمريكية. التي تــرى أن مقاربة موضوع اللغة الطبيعية، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وصف بنيتها التوزيعية القائمة على تقطيع كل جملة إلى مجموعة عناصر، حيث يكون لكل عنصر موقعه المحدد الذي ينتظمه تركيبيا إلى جوار العناصر الأخرى. وفي تحليله للخطاب، ينطلق من مفهوم إجرائي أساس يتلخص في مفهوم التوازي (équivalence). مقتضاه أنه  » إذا أخذنا مقطعين جمليين ينتميان إلى نص ما، ولنرمز لهما بـ: « أم » و « أن » ، سنقول إن: « م » موازية لـ:  « ن » ؛ أي أنهما يتواجدان داخل المحيط نفسه. وإذا   وجدنا بعد ذلك في الخطاب مقطعين آخرين:  » ب م » و » س ن » سنقول إن: » ب  » موازية لـ  « س « . ما دمنا  أثبتنا التوازي بين  » م « و » ن « [4]       وعليه ف « هاريس » لا يرتكز في تحليله على الجملة لأنها لا تحقق غرض المتكلم بمعزل عن السياق، لكنه  النص من حيث جمله ومكوناته وسياقه الذي ورد فيه. 

ـ تعريف بنفنست للخطاب:     يمكن أن نرصد تعريفا للخطاب حسب بنفنست، بأنه:  » كل فعل للقول يفترض متكلما وسامعا، بحيث تكون للأول رغبة التأثير في الثاني »[5]   مبدئيا فتعريف بنفنست، يمكن موضعته في سياق ما يعرف بنظرية القول  Enonciation، والذي يعد أحد روادها الأوائل، وخلافا للتصور البنيوي (سوسير والاتجاهات المتفرعة عنه)، الذي ينظر إلى الجملة، على أنها علامة يجب دراستها من وجهة صورية مجردة عن كل ماله علاقة بشروط المقام التواصـــلي، فإن الجملة مع بنفنست أصبحت وحدة خطابية، ومعها نكون قد  » انتقلنا من حقل اللسان باعتباره نسقا من العلامات،  لندخل حقلا أخر، حقل اللسان باعتباره أداة للتواصل يعبر عنه من خلال الخطاب[6]    وعليه فإن بنفنست من أنصار اللسانيات الوظيفية، إذ يعتبر أن الخطاب يرتكز على وظيفة التبليغ، وإيصال المعلومة إلى الأخر. 

    وفي دفاعه عن هذا الطرح، اقترح  ثنائية مفاهيمية رئيسة؛ثنائية القول والفعل: فالقول يعني جملة أو متوالية جمل معينة، تعد منتوجا محققا في استقلال كلي عن الذات التي أنجزته، في حين أن فعل القول،  » يحيل على نوع من الاستعمال الفردي للسان »،[7] إنه يتحدد كإجراء تملكي للسان، أي أن المتكلم يمتلك ذاتيا الجهاز الصوري للسان لأجل أغراض تواصلية.       ومن هنا، فمفهوم الخطاب عند بنفنست يمتد ليشمل كل ما له علاقة بالفعل التواصلي، بحيث  » يتسع ليشمل كل الأجناس الخطابية. بدءا بالحوار المتبادل  اليومي، وانتهاء بالخطبة البليغة، بما في ذلك أيضا الكتابة التي تعيد إنتاج الخطابات الشفوية كالمراسلات والمذكرات والمسرح والكتابات الديداكتيكية…إلخ، أي باختصار  » كل الأنماط التي يتوجه فيها شخص ما إلى شخص آخر منتظما ما يقوله في إطار مقولة الضمير ».[8]        وارتباطا بما تقدم، يمكن القول إن مفهوم الخطاب، مفهوم رئيس يرتكز على السياق التداولي بحيث، إن دلالته تنفصل عن مجموع استعمالات تعكس كيفية إنجاز المتكلم للسان طبيعي ما، ضمن سياق تواصلي ما. 

2ـ مفهــوم الحجــاج(Argumentation)       تشير موسوعة لالاند الفلسفية إلى أن الحجاج سلسلة من الحجج تنتهي بشكل كلي إلى تأكيد نفس النتيجة ،وربما نص هنا على كونه طريقة تنظيمية في عرض الحجج ،وبنائها وتوجيهها نحو قصد معين يكون عادة الإقناع والتأثير ، فتكون الحجة في سياق هذا العرض بمثابة الدليل على الصحة أو على الدحض[9]، وأما مصطلح البرهنة والبرهان فيشيان باستنباط دليلي يوجه لتأكيد نتيجة سالفة باعتماد مقدمات صادقة ، وهكذا سنسمي حجاجا تلك الطريقة أو ذلك الأسلوب الذي يسلكه الخطاب لإضفاء سمة التماسك القضوي والشكلي والدلالي على ما ينسج من تراكيب تمنح الخطاب بعدا إقناعيا في التواصل اللغوي ، ويذهب شارل بريلمان(Ch.Prelman)إلى أن الحجاج سمة تصف كل الخطابات ، غايتها الاستمالة والإقناع ضمن العلاقة بين الأنساق الصريحة والضمنية، وهذا بالضبط ما قرره « دي كرو » من وجود مؤشر حجاجي في كل معنى حرفي جملي يستدعي مضمر السياق للإيحاء بنتيجة ما مقنعة أو غير مقنعة[10] ، 

   إذا جاز القول إن « المحاورة »، تستند إلى نماذج تنتمي إلى المجال التداولي، جاز معه أنها تسلك من سبيل الاستدلال ما هو أوسع وأغنى من بنيات البرهان الضيقــــة، كأن يرتكز « المحاور »، في بناء النص على الصور الاستدلالية مجتمعة إلى مضامينها أوثق اجتماع، وكأن يطوي الكثير من المقدمات والنتائج ويفهم أمورا غير ما نطق به، وكأن يذكر دليلا صحيحا على قوله من غير أن يقصد الحجة للتدليـل، وأن يسوق هذه الحجة على قضية بدهية أو مشهورة، وكل سبيل استدلالي يكون هذا وصفه، فهو سبيل احتجاجي لا برهاني، يقيد فيه المقام التراكيب[11]    في هذا السياق، يتقدم الحجاج ليكشف عن الحقيقة التالية، وهي أن اللغة بشكل عام (تلفظية كانت أو بصرية)، ليست مجرد تمثيل أو تشخيص لحالات إنسانية معينة، ولكنها خلق وبناء تفاعلي مؤطر بوظيفة تواصلية، إننا نتحدث أو نتكلم لكي نتقاسم مع مخاطبينا مجموعة أفكار وآراء وتمثلات تخص موضوعا محددا.     وفي تعريف ديكرو لمفهوم الحجاج يميز بين « معنيين لمفهوم الحجاج، فهناك الحجاج بمعناه العادي والحجاج بمعناه التقني »[12]يتحدد الحجاج بمعناه العادي أو المتداول » كمجموعة من الآليات الإستراتيجية، التي يستعملها المتلفظ بهدف إقناع السامع[13]، هذا النوع من الحجاج ليس موضوع الدراسة عند ديكرو لسبب واضح وبسيط، هو أن مقاربة أصحاب هذا التصور تظل خارج الإطار اللساني، فهي تُعنى فقط، بالجوانب الخارجية للخطاب أو لنقل آثار الخطابEffects de discours ))، ولا علاقة لها بخصائص ومقومات الألسن الطبيعية، دراسة الحجاج بمفهومه العادي أفرزت مجموعة من الأعمال، منها ما يندرج في إطار المنطق غير الصوري(Logique non formelle)، وبخاصة أعمال كل من برلمان وتيتكال (Perlman, Tytecal)، ومنها ما أنجز في إطار المنطق الطبيعي خاصة أعمال كريز وبورل وميفيل (Grise,Borel,Miéville)، أما الحجاج بمفهومه التقني فيتقدم « كنمط نوعي من العلاقات الحاصلة في بنية اللسان، ويتم ترهينها (Instanciée) داخل الخطاب[14]، والعلاقات السالفة تساهم في بنية الخطاب وجعله خطابا مقنعا؛ ومن هنا فالحجاج عند ديكرو يحيل على خطابات تتضمن على الأقل قولين اثنين: (ق1) و(ق2)، حيث يتقدم أحدهما ليجيز ويبرز أو ليفرض الثاني، فالقول الأول إذن يسمى حجة (Argument)، أما الآخر فيسمى نتيجة، ولابد للحجج من أن يرتكز على عناصر ثلاثة وهي: 

1 – القرائن الأكسيولوجية ( Les marques axiologiques) 2 – الروابط الحجاجية ( Les connecteures argumentatifs) 3 – العوامل الحجاجية ( Les opérateurs argumentatifs)     أ- القرائن الأكسيولوجية: 

يرتبط هذا المفهوم ببعض الصيغ اللغوية ، كالصفات مثلا وأسماء التفضيل المحيلة إلى جملة من القيم الإيجابية، يؤدي حضورها في قول ما إلى تعزيز قوته الحجاجية وإلى موضعته في أعلى مرتبة من مراتب السلم الحجاجي. ولتوضيح هذا التعريف، يقترح موشلر المثال الآتي:[15]  » علي يبدو أكثر لطفا »، في تعليقه على هذا المثال يقول » عن القيمة الحجاجية لهذا القول، تتحدد بناء على القيمة الأكسيولوجية لكلمة  » لطفا » الحاملة لخاصية إيجابية ».[16]    وعليه فأن تكون لهذه الكلمة قيمة أكسيولوجية معناه، أن تنطوي من جهة حجاجية (موجهة نحو نتيجة إيجابية)، وأن تموضع من جهة أخرى داخل سلمية حجاجية تحقق أعلى درجة من البعد الاجتماعي.[17] 

   على هذا الأساس فإن كلمة لطفا تقابلها داخل الإبدال نفسه كلمات أخرى من قبيل: (أقل لطفا، شيء من اللطف، إلخ…) والتي تؤكد أن الحجاج، يعرف قوة أو ضعفا، وذلك بوضعه في سلم حجاجي ما، باعتباره العلاقة الترتيبية للحجاج[18]، والتي يمكن أن نرمز إليها كالآتي:[19] 
   ـ ن 
   ـ د    ـ ب 

  بحيث إن (ن) هي النتيجة، و(د، ج، ب) هي الحجاج المؤدية إلى النتيجة السابقة. فعندما تقوم بين الحجاج المنتمي إلى فئة حجاجية ما، علاقة ترتيبية معينة، فإن هذا الحجاج ينتمي إذاك إلى السلم الحجاجي نفسه، فالسلم الحجاجي فئة حجاجية موجهة، تتسم بالسمتين الآتيتين: أ ـ كل قول يرد في درجة ما من السلم، يكون القول الذي يعلوه دليلا أقوى منه بالنسبة إلى (ن). ب ـ إذا كان القول (ب) يؤدي إلى النتيجة ن »، فهذا يستلزم أن « ج » أو « د » الذي يعلوه درجة يؤدي إليها، والعكس غير صحيح. 

     وهكذا يغدو من اللازم لخطاب يطمح إلى إثبات مكانته وأهميته أن يقوم على حجاج يسهم بشكل أو بآخر في تحقيق اقتناع المخاطب.    ب ـ الروابط الحجاجيــة:        ويعرفها موشلر بأنها: صرفات من نوع الروابط كالظروف، وحروف العطف،… إلخ. تربط بين قولين  اثنين أو أكثر، يندرجان ضمن إستراتيجية حجاجية واحدة… فالروابط تمفصل أفعالا لغوية، أي بين أقوال تتقدم لتحقيق أفعال حجاجية؛ مما يعني أن هذه الروابط تساهم في تماسك الخطاب المعتمد في الفعل الحجاجي.    ج ـ العوامل الحجاجيــة: 

      عبارة عن » صرفات أو مورفيمات بتحققها في قول ما، تعمل على تحويل إمكانيته الحجاجية.[20]      وعليه يمكن القول إن الفرق بين العامل الحجاجي والرابط، يتجلى في كون الأول يربط بين أجزاء القول الواحد في حين أن الآخر يربط بين متوالية من الأقوال.    وهكذا نستنتج من هذه المكونات الثلاث أن لها دور أساس في البيئة الحجاجية، إذ لا يمكن الحديث عن حجاج في قول أو في صورة ما دون الإشارة أو تناول هذه المكونات. لأنها تشكل المؤشرات المحددة  للشكل الذي يتخذه المعنى في الأقوال، وغيابها يؤدي إلى انعدام تحقق الإقناع. 

3ـ مفهوم الإقنـــاع(persuation)  يعني الإقناع العملية الكلامية التي تستهدف التأثير العقلي والعاطفي في المتلقي أو الجمهور،قصد تفاعله إيجابيا مع الفكرة باعتماد الحجج والبراهين الإثباتية عبر وسائط طبيعية أو صناعية ، أما الاقتناع فهو فعل الأثر الناجم عن عملية الإقناع لدى المتلقي متى توافرت الظروف ،وتهيأت من لدن المرسل ( المقنع ) فيحدث الانسجام بين الرغبة الذاتية والإمكانات المتاحة والهدف المطلوب ، ويمكن القول بأن الإقناع جهد اتصالي لساني بالدرجة الأولى مؤسس على قصد ، ومخطط له سلفا وفق أهداف معينة لاستمالة المتلقي وتعديل سلوكه ومواقفه الشخصية في ظروف مقامية معينة ، وما يجب التنبه إليه في هذا المقام أن النص الإقناعي القائم على الحجج قد تختلف مقاصده بناء على الاستراتيجية الموضوعة فقد يبنى على الإغراء، فتكون المتعة الشخصية غايته ، وقد يتجه وجهة إقناعية عقلية بحتة تضطلع الحجج المنطقية وأساليب الاستدلال بمهمة توجيه فكر المتلقي، أما إذا لم يقتنع المستقبل بفحوى الرسالة فلا يصح أن نصف عمل المرسل بأنه، إقناع لو لم يكن مقنعا. فعندما يطالب الباث غيره بمشاركته اعتقاداته، فإن مطالبته لا تكتسي صبغة الإكراه، ولا تدرج على منهج القمع، وإنما تتبع في تحصيل غرضها سبلا استدلالية متنوعة تدفع الآخر إلى الاقتناع برأي المتكلم.[21] من هنا نقول إن الإقناع بفحوى الخطاب يجب أن يرتكز على أخلاقيات لاقتناع المتلقي.    وقد تزدوج أساليب  » الاقتناع » بأساليب  » الإمتاع » فتكون، إذ ذاك، أقدر على التأثير في اعتقاد المخاطب ، وتوجيه سلوكه لما يهبها هذا الإمتاع من قوة في استحضار الأشياء، ونفوذ في إشهادها للمخاطب، كأنه يراها رأي العين. أي الإقناع مرتبط ارتباطا وثيقا بإمتاع المخاطب، بمعنى أنه إذا لم يمتع العمل الفني؛ مثلا؛ المتلقي لا يمكنه أن يقتنع بمضمون الرسالة. 

       وعليه فالإقناع لجوء القائل إلى مجموعة من الصيغ والسبل الرامية إلى إقناع المرسل ـ إليه بالدعوى المدعو إليها وجعله يشارك المرسل طروحاته. 3-هابرماس وأخلاقيات الفعل التواصلي: 

    على ضوء ماسبق، وارتباطا به يأتي الفيلسوف الاجتماعي هابرماس ليصوغ طرحا نظريا يمتح من الحجاج والاقناع مايشكل أخلاقيات التواصل التي تختار طريقا يتجاوز سلطة الإكراه التي تتمتع بها الدولة والردود العنيفة التي قد يلتجئ إليها بعض الأفراد كرد على جبروتها وصلافتها.     وبيت القصيد في هذا المضمار أنه لا يمكننا قبول القواعد والأحكام من دون برهان أو جدال، وهذا لا يتم حسب رائد العقلانية الجديدة هابرماس دون شجب الحقيقة الواحدة أو الزعم بامتلاكها من دون الآخرين، بل يطالب بتمزيق الأقنعة التي تدّعي ذلك ويدعو إلى حوار عقلاني يمتلك فيه الإنسان المعاصر الرؤيا والشجاعة اللازمتين لامتحان آرائه مع الناس. فليس من حق للفرد أن يدّعي  أن آراءه وحقائقه أهمّ وأبلغ من الآخرين، منذ أن ولّى زمن الحقائق النهائية والكاملة، ولا سبيل للحقيقة إلا عبر الحقائق المتفاهم بشأنها، وهذا مرتبط بنبذ ادعاء أي رؤية أو نظرية امتلاك حقائق أزلية للإنسان أو الكون.   وعليه فالتواصل عند « هابرماس » يفرض أخلاقيات عقلية ينبغي توفيرها في طرفي الحوار أو المناقشة، ليصل كلا الطرفين إلى نتيجة من خلال كلامه، وبهذا يمكــــن أن يتحقق التواصل.      ويميز « هابرماس » في التواصل: بين فعلين: الفعل الغائي الاستراتجي والفعل التواصلي، حيث يعود إلى ماضي الفلسفة، ومن جهة أخرى إلى تاريخ علم الاجتماع، وإن كان ينتصر للنظرية الاجتماعية على حساب فلسفة الوعي، ومبرره في ذلـك أن النظريات الفلسفية الأخرى للفعل،تناولت الفعل الاجتماعي من وجهة الفاعل، في حين أن النظرية السيولوجية تعتمد على المتحاورين، إذ تركز علــى         إجمـــاع المعارف التي يشكلها المتحاورين، تجميعا ضروريا وكافيا للتأويلات التي يعطونها للوضعية،  وبهذه الغاية يتقبلون التواصل بواسطة اللغة أو بالأحرى، بوسيلة لتبادل المعلومات[22]، ويشير « حسن مصدق » إلى أن « هابرماس » قد استند إلى مسلمة « التحول اللغوي »(linguistic turn )، في دراسة أوجه العلاقة بين المتكلم واللغة، وتخلل ذلك دراسة مقاصد المتكلم، (Intentions)، وأدائه اللغوي (locutoire) والإيعازي (الفعل الداخل في القول (Illocutoire) والفعل الحاصل بالقول(Perlocutoire)[23]، هذا يعني أنه لابد من فعلين في القول أو في التواصل، أحدهما داخلي منفعي والآخر خارجي لتحقيق التواصل، ويوظف للأخذ والعطاء أيضا. 

      ومن الناحية التاريخية يرى هابرماس أن التحول من الفعل الاستراتيجي إلى الفعل التواصلي حدث في حقل السوسيولوجيا، وهو من إبداع علماء الاجتماع وهذا كان مبررا كافيا لهابرماس إذ قال:  » إن تحول البراديغم الذي انتقل من الفعل الغائي إلى الفعل التواصلي بدأ مع ميد ودوركهايم، فماكس… »[24]      إن « هابرماس » انتقد النظريات السابقة الفلسفية والاجتماعية، التي لم تهتم بتطوير الفعل الاجتماعي، إذ بقيت سجينة التصور الفلسفي الأرسطي لمفهوم الفعل الغائي، أما بالنسبة للمقاربات الأخرى التي لفت لها الاهتمام،  فهي لم تنجح في تطوير مفهوم الفعل بحيث يكون التوافق مؤسسا بين الفعل الغائي والفعل التواصلي على اللغة التي بدورها الربط بين الأفعال، فالتفسير الذي لا يرتكز على دور اللغة في المجتمع لفهم الأفعال الاجتماعية، هو ما دفع « هابرماس » إلى التركيز على اللغة في نظريته، خاصة فيما يعرف عنده بالمنعطف اللغوي[25]؛هذا يعني أن النظريات الأخرى لم تركز على اللغة في فهم الأفعال، لأنها  مبنية على المنفعة والغائية. وقد ركز « هابرماس » اهتمامه على الفعل التواصلي، لأنه مبني على الحقيقة والأخلاق العقلية، وقد ربطه بالعالم المعيش،[26]، يعني المجتمع الذي يعيش فيه الفرد بعاداته.           وبهذا ف »هابرماس » انتقد النظرية الفلسفية للفعل الذاتي، على أساس أنها لا تنظر إلى الفعل الاجتماعي كفعل تواصلي، لأن هدفها ليس التواصل، بل تحقيق أغراض أخرى مختلفة تهم الفرد في حياته بمعزل عن الآخر، وهذا الأمر الذي جعل هابرماس يلح على الاهتمام بالفعل التواصلي لأنه فعل أساس يحقق التفاهم والاتفاق، وبه نبني مجتمعا مصغرا يمكن أن يتطور بدوره إلى مجتمع مكبر قائم على الانسجام. ومعنى ذلك أن التواصل حسب « هابرماس » يرفض فلسفة الذات مقابل فعل تواصلي يعكس رؤية جديدة، على حسب الرؤية التي كانت تتسم بها ذات الفرد في المجتمع، باعتبارها كانت ذاتا احتكارية مركزية وانغلاقية؛أي أنها لا حاجة لها إلى الآخر، وإنما حاجتها تتجلى في خدمة مصلحتها. 

 ومن وظائف الفعل التواصلي: وظيفة التفاهم: وتعد من أبرز وظائف التواصل فتحقيقه في العملية التواصلية بين الأفراد، يحتاج إلى شروط ضرورية من اللازم أن تلزم الأطراف المشاركة ومنها ما يلي: ـ تصنيف الأفعال اللغوية الهادفة للتفاهم (تعبيرية، تمثيلية، تنظيمية،…) ـ إضافة إلى الصدق في القضايا، ومصداقية المتكلم ،وصحة  ووضوح قوله[27]    وهذه الشروط التي تحدث عنها « فرانك مانفريد » في كتابه، قد شكلت انشغال التداولية الكلية المرتكزة على اللغة في بعدها التداولي لفهم الوظيفة  التواصلية لها، وقد أبرزها « هابرماس » بوضوح في الجدية والوضوح والصحة والصدق والحقيقة، وكلها مصطلحات اجتماعية. ويؤكد على دور التفاهم في خلق مجتمع تواصلي، فالوظيفة الأساس للتفاهم تتمثل في تنشيط الاتفاق المعياري المحترم بين أطراف الجماعة ولا يكتفي بربط الفعل التواصلي باللغة فحسب، بل بالعالم المعيش وما يشمله من خصائصَ وخصوصيات: من ثقافة ومجتمع، وشخوص. والملاحظ أنه يميز في نظرية الفعل التواصلي بين الاتفاق والتفاهم، فالاتفاق: يتميز بكوننا من الممكن أن نتفق لكن دون أن نتفاهم. 

      إن الفعل التواصلي حسب « هابرماس »، يحدد من خلال علاقة العالم المعيش بالفاعل سواء أكان الفعل تواصليا أو استراتيجيا غائيا ويمكن التمثيل له بالعلاقة الأفقية والعمودية:                               عالم 

 مستمع                                           متكلم                                فاعل     حيث نجد أن التفاهم المنشود والمجسد للفعل التواصلي بين الفاعلين يميزالفعل اللغوي عن الأفعال الأخرى، كالأداتية، أو الغائية المساهمة في تحقق النجاح الذاتي، قال « هابرماس » نسمي:  » فعلا أداتيا موجها نحو النجاح عندما نعتبره على شكل قواعد تقنية للفعل ونقيم درجة فاعليته بمدى التداخل في سياق حالة الأشياء والأحداث، كما نسمي فعلا استراتيجيا للفعل الموجه نحو النجاح عندما نعتبره على شكل قواعد اختيار عقلاني، نقيم درجة فاعليته بالتأثير الممارس على قرارات الشريك العقلاني…[28]،أي أن الفعل الاستراتيجي فعل هادف إلى النجاح النفعي في الحياة،و فرض السلطة على الآخر. 

     فتحديد « هابرماس » للفعل التواصلي يستلزم اعتبار الفاعلين المتكلمين والمستمعين، الذين يحيلون إلى بعض الأشياء المنتمية إلى العالم الموضوعي الاجتماعي أو الذاتي متناقلين فيما بينهم دعاوي الصلاحية، حيث من الممكن أن تكون مقبولة أو محل نزاع.[29] وعليه فالاتفاق لأسباب خارجية (سلطة…)،  لكن التفاهم يقوم على الاتفاق، فإذا تفاهمنا فنحن قد اتفقنا، فهو لا يستند لأساس خارجي، أساسه القناعة، فالتفاهم اتفاق بشروط التصديق مستند إلى قناعات وموافقة المشاركين في التواصل على صلاحية تلفظ ما.[30]ومن هنا فالاتفاق خارجي، لكن التفاهم فمرتبط بالقناعة الشخصية الداخلية.    وعليه فإن التفاهم عند « هابرماس » مدخل للحديث عن الإجماع كغاية قصـــوى، لأن هدفه الأساس خلق تواصل حقيقي بين الإنسان والمجتمع، وهذا الأمر لم يكتب له التحقق إلا إذا لجأنا إلى الإجماع القائم على الشروط الآتية: العدالة، والحرية والتعبير عند الفرد، ليبرز حضوره باعتباره عنصرا من عناصرَ المجتمع، يفرض حتميات، وكما تفرض عليه إكراهات في إطار علاقته بالآخر.           فمن خلال تأكيده على ضرورة الاتفاق والتفاهم، نراه يطمح إلى تحقيق « نظرية للإجماع »، تهدف إلى تحقيق إجماع مشترك بين المتخاطبين بصدد قضايا معينة، تكون محط نقاش وتداول، لأنه في غياب أي إجماع بين الأطراف الفاعلة في العملية التواصلية، يعني فشل الفعل الذي يمكن أن يترتب عن ذلك، لأن « هابرماس » ربط بين اللغة والفعل[31]، ولهذا فبناء الفعل التواصلي ينطلق من بناء علاقة اجتماعية قائمة على الاحترام، وتبادل الآراء والمواقف. إن هابرماس يهدف إلى القول إن السلوك التواصلي يخضع لدعاوي قبلية كلية، بغية خلق الظروف المواتية للوصول إلى الإجماع من خلال سيرورة تبادل الحجج، دون جعل أحد طرفي الحوار وسيلة  للوصول إلى أهداف خاصة شخصية، فالحجة داخل التواصل الاجتماعي تهدف إلى التأثير على اعتقاد المتلقي وعلى سلوكه، إذ يجوز لنا أن نقبلها أو أن نرفضها بحسب اختياراتنا وآرائنا ومصالحنا، كما يمكن أن نبدي لاحقا موقفا إيحابيا من حجة كنا نتحفظ منها من قبل[32]

    هذا يعني أن الإجماع بين المتكلم والمخاطب يقوم على الحوار والمناقشة، وكذا تبادل الرأي، إلا أن ذلك يحتاج إلى البراهين التي تثبت صحة قول ما ليقتنع به الآخر، ويتم بذلك الإجماع  حول فكرة واحدة.      وبهذا فإن « هابرماس » يبين أنه لا شيء يحصر الإقناع والبرهان والانتصار في مجالات البلاغة والعلم والحرب، إذ أن هناك تداخلا بين هذه المستويات المختلفة، ما دامت تنتمي إلى الجنس التواصلي الحجاجي الواحد، وكما يفترض أن يكون للإنسان دور أساس، في نسج علاقات مختلفة مع أفراد المجتمع، بإعتباره عنصرا ممزوجا في الواقع. 

المراجـــع المعتمــتدة 

·        بول ريكور: « من النص إلى الفعل »؛ أبحاث التأويل، تر:محمد برادة/ حسان بورقية، ط1/ 2001، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية. ·        مانفريد فرانك ، » حدود التواصل الإجماع والتنازع بين هابرماس وليوتار ».ترجمة وتقديم و تعليق « عزالعرب لحكيم بناني »،ط2003،إفريقيا الشرق ·        طه عبد الرحمان: » في أصول الحوار »،ط1،1987، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع ·        طه عبد الرحمان:  » اللسان والميزان أو التكوثر العقلي « ، ط1، 1998، المركز الثقافي العربي. 

·        محمد الأشهب،  » الفلسفة والسياسة عند هابرماس »، جدل الحداثة والمشروعية والتواصل في فضاء الديمقراطية، سلسلة نقد السياسة 3، ط 1، 2006. ·       حسن مصدق، » يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت » النظرية النقدية التواصلية. ط1، 2005 ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء،المغرب. ·        Ferdinand De  Saussaire:  « coure de linguistique général »  éd payot.1979 

·        Harris. Z.s- : « DISCOURES ANALYSAIS »,  langue vol 2,1952 ·        Benveniste  Emile : «  Problèmes de luiguistique générale » 2.ed.Gallimard  ·        Moeschler J, et Reboul  A: « Dictionnaire encyclopédique de pragmatique »   . ed seuil 1994   ·        Moeschler, , jacques «  Argumentation et conversation », ME .Hatier.Année 1985       ·        Ducrot oswald : « Opérateurs argumentatifs et visée argumentative » T 2 .1 ERE         PARTIE TRAD HELIE PARIS 1994 .                                                                            



[1]ـ Ferdinand De  Saussaire:  « coure de linguistique général »  éd payot.1979.   :p.30-31. [2]  ـ بول ريكور، ، ، » من النص إلى الفعل » أبحاث التأويل، ترجمة: محمد برادة ـ حسان بورقية، ط 1،  2001، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،  ص: 79.   [3]  ـ Harris. Z.s- : « DISCOURES ANALYSAIS »,  langue vol 28,1952.        p : 13. 

[4] ـ  :1 Harris. Z.  , ibid . P :6.  

[5] ـ  Benveniste – Emile : «  Problèmes de luiguistique générale » 2.ed.Gallimard.p :242. 

[6] ـ IBID P : 130 

[7]  IBID, p 80 

[8] [8]  Benveniste – Emile. ibid . P : 242. 

[9]  - لالاند ، القاموس الفلسفي 

[10]  - حميد اعبيدة ، الحجاج في الفلسفة ، مجلة فكر ونقد ، 

[11]  ـ د. طه عبد الرحمان   » في أصول الحوار »،ط1،1987، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع ص: 40 

[12]ـ  Moeschler J, et Reboul  A: « Dictionnaire encyclopédique de pragmatique »   . ed seuil 1994  .p : 88.  [13]     ـ Ibid,    p:88.  [14] ـ     Moeschler J, et Reboul, op,cit ,p :88. 

[15] ـ IBID,p: 57 [16].ـ Moeschler, , jacques «  Argumentation et conversation », ME .Hatier.Année 1985. p, 57. 

[17] ـ  Ibid,p,57 

[18]  ـ د. طه عبد الرحمان « ، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي »،  ص: 277. 

[19]  ـ أبو بكر العزاوي: » الحجاج في اللغة » www.al-mannaral.com.

[20] ـ Ducrot oswald : « Opérateurs argumentatifs et visée argumentative » T 2 .1 ERE PARTIE TRAD HELIE PARIS 1994 .P :2-8 

[21] ـ د. طه عبد الرحمان: » في أصول الحوار »،ط1،1987،المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، ص: 30. 

[22]  ـ محمد الأشهب،  » الفلسفة والسياسة عند هابرماس »، جدل الحداثة والمشروعية والتواصل في فضاء الديمقراطية، سلسلة نقد السياسة 3، ط 1، 2006. ص: 16-17. 

[23]  ـ حسن مصدق، » يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت » النظرية النقدية التواصلية. ط1، 2005 ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء،المغرب. ص: 126 

[24]  ـ محمد الأشهب، مرجع سابق، ص: 17. 

[25]  ـ المرجع نفسه، ص: 19. 

[26]  ـ المرجع نفسه، الصفحة نفسها. 

[27] ـ محمد الأشهب، مرجع سابق، ص: 29. 

[28] ـ محمد الأشهب، مرجع سابق، ص: 20. 

[29]  . ـ المرجع نفسه،ص:20                                                                                         

 [30] ـ مانفريد فرانك ، » حدود التواصل الإجماع والتنازع بين هابرماس وليوتار ».ترجمة وتقديم و تعليق « عزالعرب لحكيم بناني »،ط2003،إفريقيا الشرق. ص: 59. 

[31]   ـ محمد الأشهب، مرجع سابق، ص: 32-35 

[32]  مانفريد  فرانك ،مرجع سابق، ص: 6-8. 

Laisser un commentaire

 

Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Blog du niveau intermédiaire
| paroisdedouche